ابن فضلان

33

رحلة ابن فضلان

عمّا شاهد ، البعض منها دقيق تماما والآخر أقلّ دقّة . إنّ قراءة ابن فضلان تمنح متعة نادرا ما يلتقيها المرء في عمل من النوع الأدبيّ نفسه ، لأسباب سيكتشفها القارئ لوحده عندما يشرع بقراءة العمل . أي مسار اختط ابن فضلان ؟ إذا ما تتبّعنا الأماكن والمدن التي يذكرها ابن فضلان ، فسوف نسجل أنّ مسار الرحلة كما هي بين أيدينا الآن هو بلاد : العجم والترك - الصقالبة - الروسية - الخزر . وقد أثار هذا المسار الكثير من النقاش ، فقد كان يتوجّب الحديث عن بلاد الخزر قبل الحديث عن الروس لأنّ الطريق إلى الروس يمرّ أولا بالخزر ، هل ضاع شيء من المخطوطة ، كما يقول د . الدهان ، أم أنّ ابن فضلان نفسه لم يكن مهتمّا بأمر تسجيل شؤون الروس والخزر مثل اهتمامه بالصقالبة هدف رحلته ، وأنه بالتالي سجّل انطباعاته كيفما اتفق عن ذينيك البلدين ، أم أن مخطوطة مشهد نفسّها تعاني من خلل منطقيّ ما بسبب ناسخها أو تلف جزء منها . وإذا صحّت هذه الفرضية ، فهل كانت النسخة التي وقعت بين يديّ ياقوت تعاني هي أيضا من الخلل نفسه ؟ لا أظنّ ، وفي يقيني فإن ابن فضلان قد كتب المخطوطة بهذا الشكل الذي نعرفه ، مدرجا انطباعات وقصص رآها أو سمعها في البلدين المعنيين . ولم يزر البتّة البلدان الإسكندنافية كما يزعم الكاتب الهوليوودي كريكتون ومثله د . غيبة وتابعهما بذلك ، على عجل لا يليق بالثقافة د . عبد الله إبراهيم ، ولو أنه فعل وزارها لنقل من نقل عنه شذرة صغيرة ، أعني ياقوت والقزويني ، خاصة الأخير المولع بالغرائب من كلّ نوع . هجرة الأيدي العاملة تتابع مراكز الثروة : إن صراعا كامنا كعلّة ضرورية ، وأن تناقضا وجوديا نهائيا ، بين الأنا والآخر ، لم يكونا موجودين ، ثمة بدلا منهما الكثير من الانفتاح ، وهذا الانفتاح بالأحرى هو